دور القيادة في التغيير نبع من حقيقة أن الطبيعة البشرية جبلت على مقاومة التغيير، والحفاظ على وضع الثبات الحالي. لكن العقل ينبهنا إلى أن ليس كل تغيير يقدم عليه الإنسان يحمل معه تهديدًا أو مخاطر قد تطيح بصاحبها. لذا كان لزامًا أن تُعد العدة لأي عملية تغييرية، والتعامل مع المقاومة النفسية الحاصلة تجاهها، ووضع خطط مدروسة لتقليل المآلات الضبابية، والسير بخطى ثابتة يقينية نحو الأفضل. من يملك القدرة على التحكم في دفة القيادة وتوجيه الأفراد ومعالجة إشكالياتهم هو ما يمكن نعته بالقائد. ومما سيسرد في هذه المقالة كل ما يتعلق بالأدوار الفعالة للقيادة في أي عملية تؤول إلى التغيير.
دور القيادة في التغيير وعلاقتها بالإدارة
أينما ذُكر التغيير ذُكرت القيادة؛ فهي المرشد لمكان العبور والانتقال انتقالة صحيحة إلى مكانة أعلى. إنه من التصور الخاطئ أن القيادة تقتصر على إدارة المهام التفصيلية، بل هي أداة إلهام وعين الوضوح نحو رؤية حقيقية يمكن تحويلها إلى واقع ملموس.
ما الفرق بين القيادة والإدارة
- الإدارة بمعناها المطلق: الجهة المنوطة بالنظام القائم الحالي، التي تسلط عدستها على التخطيط والتنظيم والحفاظ على خطة الاستقرار والأداء الحالي.
- أما القيادة في صِياغها المقابل للإدارة: المحرك الخاص بالمسير للأمام وإحداث تحول إيجابي، سواء في القدرات المؤسساتية أو الأفراد المنتمين لها. القائد الناجح هو من يخلق بيئة عمل ديناميكية تشجع على الابتكار وتَنبُذ الجمود في دائرة الراحة.
أنماط القيادة المختلفة
دور القيادة في التغيير له عدَّة أنماط، أهمها نمطان يمثلان جناحي التوازن والاستقرار أثناء التحليق لمكانة أكثر علوًا وتميزًا:
- الجناح الأول (القيادة التحويلية): تزيل حدود المصالح الشخصية وتدمجها في رؤية المؤسسة الكبرى، فتصبح الأهداف الشخصية خطوة لتحقيق الأهداف الكبرى الجماعية.
- الجناح الثاني (القيادة التكيفية): قد تهب رياح تحديات جديدة، مما يُجبر المؤسسة للتغيرات الاضطرارية؛ للتكيف مع الوضع العاصف وتجاوز منطقة الخطر. هذا النمط من التغيير يختلف عن نظيره الذي يحدث في بيئة مستقرة إلى حد ما ويكون بهدف التطوير والتحسين.
ما بين وجود القيادة وغيابها
إن تَخلَّفت القيادة ستضطرب الصفوف ويعم الارتباك. قد تلاحظ مقاومة الأفراد لأي مهام جديدة تُسند إليهم، وذلك لأنه خائف من المجهول أو لا يعلم المكاسب التي ستعود عليه وعلى المؤسسة. فيتجلى دور القيادة في التغيير برسم ملامح الطريق، ووضع الخطة والخطة البديلة، والاستماع للجميع، وتعزيز روح المسؤولية.
اقرأ أيضًا: ما هي استراتيجيات القيادة الناجحة؟
مراحل التغيير وكيفية معالجة إشكالياتها
تمر مرحلة التغيير الجذري بثلاث محطات، ويكون دور القيادة في التغيير بالتوقف على رأس كل محطة؛ مدركين طبيعتها وعالمين بالمعوقات التي ستواجههم، فيستعدون لها بالتصرف والتوجيه المناسب.
أولًا: مرحلة المقاومة
رد فعل طبيعي لمعظم الأفراد، وتتفاوت طريقة التعبير عن هذه المقاومة ما بين الغضب، أو الرفض أو القلق.
ملامح المرحلة:
- الشعور بالتهديد للأمان الوظيفي لدى الفرد.
- التشكيك في جدوى التغيير من خلال انتقادات علنية أو تجاهل التعليمات الجديدة.
- التشبث بالروتين المعتاد برفض التخلي عن سلوكيات سابقة أو التباطؤ في تنفيذ الأوامر.
دور القيادة في التغيير وتهذيب السلوكيات السابقة:
- إفهام الأفراد بكامل المعلومات عن أسباب التغيير وأهدافه.
- الاستماع لمخاوف الموظفين وتقديم إجابات شافية وواضحة.
- إشعار الأفراد بالملكية من خلال مشاركتهم في وضع خطوات التغيير.
ثانيًا: مرحلة الامتثال
يبدأ الأفراد بالامتثال لتنفيذ التعليمات وأداء مهامهم الجديدة من منطلق الضرورة والخوف من العواقب، وليس عن قناعة داخلية.
السمات الأساسية للمرحلة:
- الالتزام الشكلي بالقوانين والسياسات الجديدة.
- غياب الحماس أو المبادرات الذاتية.
- عدم طرح أي أفكار إبداعية أو تحسينات مقترحة.
دور القيادة في التغيير من خلال تعديل هذه الظاهرة:
- زرع التحفيز الداخلي للأفراد من خلال التأكيد على الثمار المجنية على المدى الطويل.
- تقديم مكافآت لكل امتثال إيجابي ولمن يطرح ابتكارات جديدة.
- توفير تدريبات وورش عمل لتعزيز ثقة الأفراد بقدراتهم.
ثالثًا: مرحلة الالتزام
المرحلة المثالية التي تعمل القيادة دؤوبَّةً للوصول إليها، فدور القيادة في التغيير يسعى لترسيخ هذه المرحلة؛ إذ يصبح الأفراد على اقتناع تام بما يؤدونه، مشتعلين بروح الحماسة والثقة.
سمات هذه المرحلة:
- النظر للتغيير كجزء من ثقافة المؤسسة التي يشعرون بالانتماء لها.
- الحماس لنشر التغيير.
- تقديم اقتراحات وتطوير الإجراءات، مما ينتج عنه نتائج مبهرة.
دور القيادة:
- الحفاظ على مستوى الأداء، وإبقاء زخم الحماسة بالتشجيع المستمر والاعتراف بالإنجازات.
- إشراك الأفراد في عملية اتخاذ القرارات المستقبلية.
اقرأ أيضًا: نماذج القيادة الفعالة: 5 أساليب قيادية لتعزيز النجاح في الأعمال
أدوار القيادة في إدارة التغيير
من الواضح أن دور القيادة في التغيير من الأدوار المعقدة والصعبة؛ لذا قد تفشل 70% من المؤسسات عندما تتخذ التغيير نهجًا لها للوصول إلى أهدافها، فقد تكون ضريبته تكاليف باهظة الثمن تعجز عنها المؤسسة، فتتقيد بتلك القيود وتحول بينها وبين الوصول لما تطمح إليه. لكن لتجنب كل ذلك يجب أن تكون تلك العملية مدروسة من كل الجوانب، وتوضع الاحتمالات في أحسن الأحوال وأسوأها، ويتقدم تلك العملية القادة لما لهم من دور رئيس وفعال، فبغيابهم تطيح كل التطلعات لما هو قادم.
أولاً: إنعاش عمليات التغيير والإشادة بأهميتها
من دور القيادة في التغيير أن تحيي في نفوس الأفراد -إدارةً وموظفين- أهمية العملية التغييرية. تلعب طريقة التواصل وعرض المعلومة والأهمية دورًا فعالًا في مدى استيعاب واستجابة المخاطَب. فالتواصل المبني على الوضوح والإقناع يحفز عملية البناء ويدعم صاحب الفكرة. الأمر لا يقتصر على أخذ الموافقة من الإدارة، بل يهدف إلى إثارة الحماسة لديها وجعلها شريكًا في العملية، لا مراقبًا ينتظر النتائج فقط.
ثمار الشفافية في العرض
تسليط الضوء على ما سيجنيه أصحاب المصلحة والإدارة العليا عند تبني أساليب جديدة وترك ما هو تقليدي ورتيب. الشفافية في التواصل تعالج الخوف من الإقدام على ما هو جديد، فوضوح الرؤية يعد ترياقًا لمقاومة التغيير، وحالات القلق وعدم اليقين لدى العاملين في المؤسسة. تدور الفكرة حول الإجابة على: لماذا يحدث التغيير؟ وإلى أين ستصل المؤسسة؟
التواصل المستمر في رحلة التغيير
عملية التواصل هي عملية مستمرة طوال رحلة التغيير، ولا تقتصر على كونها وسيلة للإقناع بخوض الرحلة. ففتح قنوات تواصل ومنصات لسماع الآراء والأفكار من خلال حوار هادف يظهر تقدير القادة لوجهات نظر كل فرد ينتمي لهذه العملية. كما أن التواصل يفتح أمام القادة مدارك لمعرفة العقبات المحتملة ونقاط المقاومة.
ثانيًا: تطوير رؤية واستراتيجية واضحة
المرحلة الأكثر حساسية وحسمًا فيما يُبنى عليه من خطوات قادمة وحتى نهاية المسار. القائد ذو الرؤية الملهِمة يضع أمام المؤسسة لوحة مكتملة المعالم للوضع بعد التغيير.
خصائص الرؤية الواضحة
لما كانت الرؤية تقتضي كونها تصورًا مستقبليًا يَصِف الحالة المثالية التي تريد الوصول إليها، كان لزامًا وجود بعض الخصائص لتحقيق هذا المقتضى:
- موجزة: لاستيعاب أكثر سهولة، ولتنطبع في الأذهان بسرعة.
- ملهمة: تغذي روح الحماسة لدى الأفراد وتحفز إبداعاتهم ومشاركتهم الفعالة.
- سهلة الفهم: حتى تكون واضحة وفي مستوى فهم جميع طبقات الموظفين.
مثال على رؤية صحيحة: “أن تصبح الشركة رائدة في دمج التقنيات المتقدمة لتبسيط العمليات وتحسين جودة المنتجات وتجاوز توقعات العملاء”.
خصائص الاستراتيجية الخاصة بالرؤية
يُعد وضع الاستراتيجية لُبًّ دور القيادة في التغيير؛ لكونها الخطة التفصيلية لمتطلبات رؤية المؤسسة، فتترجمها إلى خطوات قابلة للتنفيذ، وتشتمل على:
- الأهداف الرئيسة.
- المعالم الزمنية.
- مؤشرات قابلة للقياس.
- تحليل المخاطر.
مواءمة الموارد الحالية
بعملية استنتاجية تابعة لتحديد الرؤية ووضع الاستراتيجيات الخاصة بها، يبدأ دور القيادة في التغيير بتحديد الموارد المطلوبة سواء مادية أو بشرية، ومواءمة الموارد والتزود بما تطلبه رحلة التغيير.
ثالثًا: إشراك الإدارة العليا وأصحاب الشأن
وفقًا لدراسة أجرتها شركة “ماكنزي”، فإن المؤسسة التي تكون فيها الإدارة جزءًا مشاركًا في عملية التغيير، تحقق أداءً أفضل بثلاث مرات ونصف من تلك التي تقتصر على الموافقة النظرية، وذلك لعدة أسباب يمكن ملاحظتها بسهولة:
- تنوع وجهات النظر: الآراء الخاصة بالمدراء تكون متنوعة وتكشف في طياتها فرصًا للانتهاز وأبعادًا قد لا يراها القادة.
- تعزيز روح المسؤولية العامة: نظرًا لوجود الإدارة في العملية التنفيذية، مما يقلل فرص التقاعس والمقاومة لاحقًا.
نموذج الأسس الخمسة للتغيير (5 D’s)
يتمثل دور القيادة في التغيير من خلال هذا الإطار التوجيهي بإشراك أصحاب الشأن أو الملاك:
- حدد – Define: طرح السؤال الصحيح لتحديد الوجهة الأولية الصحيحة، حيث تساهم الأسئلة في معرفة الحدود التي يعمل فيها التغيير.
- اكتشف – Discover: الانطلاق من نقاط التمكين التي تميز المؤسسة، فنقاط القوة تمثل قاعدة انطلاق مثالية.
- احلم – Dream: إطلاق العنان لتصور ما يمكن تحقيقه، ووصف الوضع الذي ستؤول إليه المؤسسة بعد تحقيق الأهداف.
- صمّم – Design: تحديد الأولويات بالترتيب، ووضع خطة عملية تُبنى عليها الخطوات.
- سلّم – Deliver: تنفيذ ما تم التوافق على تصميمه، مع متابعة الأداء وإجراء التعديلات عند اللزوم.
رابعًا: مواءمة الموارد التي تدعم رحلة التغيير
لن يتحقق أي إنجاز، مهما كانت خطته محكمة، إذا لم تتوفر له الموارد المناسبة وتُهيأ له التسهيلات التي تدفع به إلى الأمام. هنا دور القيادة في التغيير يتمثل في تقييم الموارد الحالية، وكيفية تسخيرها للاستفادة منها وتخصيصها بذكاء.
أنواع الموارد
- الموارد البشرية: من كفاءات وخبرات وفرق متخصصة.
- الموارد المادية: ولا يُقصد بها التمويل المادي فقط، بل يدخل ضمنها البنية التحتية والمعدات وكل ما يُعد أصلًا.
- الموارد الزمنية: وهي الأوقات المتاحة للتعلم والتطوير والتكيف.
- الموارد التكنولوجية: سواء الأنظمة التقنية الخاصة بالمؤسسة أو البرمجيات أو أدوات العمل التكنولوجي.
فتوجيه كل هذه الموارد، ابتداءً من الموظف وانتهاءً بالنظم التقنية، لخدمة الأهداف المحددة والوصول للرؤية الكبرى، يتم بطريقة تقلل من الهدر في الموارد وتستغل كل مورد في مصبه الصحيح.
التزود بمدخلات جديدة
قد تتطلب المرحلة الجديدة التزود بمدخلات تثري العملية وتدفع بخطوات سريعة نحو المطلوب، مثل:
- الدورات التدريبية لإرساء بعض المهارات المطلوبة.
- استخدام أنظمة جديدة تدعم التغيير.
دور القائد الذكي في هذه المرحلة
- توفير التدريب المناسب والكافي للموظفين لتأهيلهم لاستخدام الأنظمة والمهارات بصورة مثالية.
- فتح أوقات دعم إضافية للتواصل مع فرق مساندة (قد تكون خارجية) في الفترات الحرجة التي تحتاج إلى استشارات خاصة من قبل متخصصين.
- إعادة توزيع المهام: لا بأس بإعادة النظر في المهام الموزعة وتخفيف الضغط عن الفرق التي قد تتأثر سلبيًا بمهام إضافية، ليشعر الفرد أنه يعمل في بيئة يسودها التفهم وإدراك تأثير المرحلة على مستوى الأشخاص والمؤسسة ككل.
خامسًا: القيادة بالقدوة لا بالأوامر
لا يقف دور القيادة في التغيير عند حدود إصدار الأوامر والتوجيهات، بل يتخطاها ليحمل القادة على تجسيد السلوكيات المرغوبة والالتزام بها عمليًا من خلال أفعالهم. تصبح تصرفات القائد بمثابة مرجع حيّ ومنهج تطبيقي يجسد الرؤية العملية لكل صفة أو سلوك مطلوب. وعندما يندمج القادة أحيانًا في العمل، لا بصفة “قادة” فحسب بل كأفراد ضمن الفريق، فإنهم يخلقون بيئة تفاعلية منظمة تدفع الأفراد نحو التعمق في المعرفة، وتزيد من شغفهم للتعلم، ليبذل كل منهم أقصى ما لديه من أداء وإتقان لمهاراته.
الخاتمة
إن دور القيادة في التغيير غير متوقف على مجرد وضع خطط أو إصدار تعليمات، بل هي رحلة متكاملة تبدأ برؤية واستراتيجية واضحة. تتطلب في ثناياها إشراك الإدارة العليا وأصحاب الشأن، ومواءمة الموارد المتاحة، وفهم المراحل النفسية والسلوكية التي يمر بها الأفراد. يُرهن نجاح هذه المرحلة بقدرة القادة على تحويل المقاومة إلى التزام، عبر التواصل الفعّال، والتحفيز المستمر، وإشراك الجميع في صنع القرار. فتصبح كل الموارد وحدة واحدة تتكامل للوصول للقمة. وبالقيادة الذكية يتحول التغيير من تحدٍ مؤقت إلى ثقافة مؤسسية راسخة تدفع بالمؤسسة نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
🔶شاهد أيضاً: النجاح في بزنس بيع التجزئة وقصة نجاح شركة MAXAB – مع بلال المغربل Co-founder & CEO شركة Maxab #140



