دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف دور يشيد به كل من استعمله ولمس أثره الكبير. في خضم تدفق البيانات وضخامتها تصبح القدرة البشرية على التحليل قليلة، وتعجز الطرق التقليدية عن استيعاب تلك الكمية من البيانات والتعامل معها بشكل احترافي تصل من خلاله إلى النتيجة المطلوبة دون أي تحيز أو انحراف. فتتحول الحروف إلى استراتيجيات تُطبق عمليًا، وتتحول الأرقام إلى استهلال المستقبل والإعداد الجيد له. المقالة التي بين يدينا ننثر فيها أنواع التعلم الآلي وأهميته وتطبيقاته العملية التي تمنح رسمًا توضيحيًا للمسارات المفتوحة لدى المؤسسة، ونظيرتها من العراقيل التي تعيق التطور.
دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف وارتباطه بالذكاء الاصطناعي
كما هو معلوم أن تعلم الآلة فرع عن الذكاء الاصطناعي باختلاف بعض المناهج المتبعة. فلما كان الذكاء الاصطناعي محاكاة لعمل الدماغ البشري ولكن بمستوى أعلى كفاءة مثل التفكير المنطقي والتعلم من الأخطاء واتخاذ قرارات ذاتية، دعت الحاجة إلى وجود برمجة خاصة للآلة من خلال مختصين بشريين. أما تعليم الآلة فهو خطوة للتخلي عن البرمجة البشرية الأولية، والاعتماد على خوارزميات قادرة على تدريب نماذج وتطوير أدائها وقدرتها.
كيف يختلف التعلم الآلي عن البرمجة التقليدية؟
حتى ندخل في دهاليز التعلم الآلي ودور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف، يجب أن يُنوه على الرابطة الوثيقة بين التعلم الآلي ومجال علم البيانات.
- ففي أول الطريق يجب توافر مادة بيانات تدريبية، ومن خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي الموجه نحو التعلم الآلي تبدأ بتعلم النموذج التدريبي المطروح.
- فيدرك مقدماته ونتائجه والتتابعات الداخلية للبيانات، وكلما كانت جودة النموذج التدريبي عالية كلما انعكس ذلك على أداء المهام فيما يتبعها من عمليات معالجة البيانات الأخرى.
أنواع التعلم الآلي
- التعلم الخاضع للإشراف:
البيانات المقدمة في نموذج التدريب تكون مزودة بنتائجها ومالآتها الصحيحة. بمعنى آخر، تُعطي الخوارزميات نماذج جاهزة من المدخلات INPUT والنتائج الصحيحة OUTPUT. مع إدخال أي بيانات متشابهة تصبح قادرة على التنبؤ بالنتائج الجديدة.
- التعلم غير الخاضع للإشراف:
وهي عملية عصف ذهني للخوارزميات، فهي تُعطى البيانات دون أي تعريفات خاصة بها. ويتحتم على الآلة استنتاج العلاقة والأنماط الخاصة بالبيانات المدخلة لها. فمثلاً: البيانات عبارة عن المعاملات البنكية الخاصة بالعملاء، وعند وجود أي معاملة بنكية غريبة عن نطاق المألوف طبقاً للبيانات المسبقة سيُصنفها كشذوذ وينبه على احتمال وجود عملية احتيالية.
- التعلم الذاتي الإشراف:
يعتمد على إدراج تعريفات جزئية للبيانات المدخلة، إذ يتحتم على الخوارزميات خلق باقي المسميات والتعريفات لباقي البيانات. فمثلاً: كأنك تقرأ نصاً ناقصاً وتحاول توقع الكلمات المفقودة من السياق بالملاحظة والاستنتاج. وأشهر أمثلته العملية هو معالجة اللغة الطبيعية NLP.
- التعلم المعزز:
يقوم على مبدأ المكافأة عند الصواب والعقاب عند الخطأ. فيتعلم القيام بالمهام المطلوبة منه بشكل صحيح عند الحصول على تعزيز أو محفز (مكافأة). ومن خلالها يمكن للذكاء الاصطناعي المشاركة في ألعاب الفيديو أو الأدوار التي يتدرب عليها الروبوتات، وبذلك يُفعل دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف.
لماذا نرصد نقاط القوة والضعف؟
تفشل 50% من الشركات الناشئة وتغلق في عامها الخامس نتيجة لسوء التخطيط أو عدم وجود خطط واضحة. من أهم مراحل التخطيط ومنطلقها هو تحديد نقاط القوة والضعف، فيُعد كبوصلة للجاتجاهات الصحيحة التي يجب أن تُسلك أو التي يجب أن تتفاداها.
مواطن القوة نقاط للانطلاق والنمو
إن أهمية معرفة مواطن القوة تتلخص في قدرتك على استغلالها حق استغلال، وخلق الفرص والميزة التنافسية من قلب مواطن القوة.
من خلال طرح الأسئلة الصحيحة المحددة يمكنك الإحاطة بمعظم نقاط القوة دون إغفال أحدها:
- ما مزايا مؤسستك دون عن المؤسسات الأخرى؟
- ما الموارد التي نمتلكها (بشرية، تقنية، مالية)؟
- ما العمليات التشغيلية التي نحقق فيها أعلى كفاءة مقارنة بالقطاع؟
- ما الخدمات أو المنتجات التي تجذب العملاء ويعودون من أجلها؟
مكامن الضعف: نقاط تدريب وتحسين
وبأهمية نقاط القوة تكون أهمية تحديد نقاط الضعف. فهي المكمن التي تشتعل من خلالها الأزمات، وتأتي منها الضربات القاصمة. فبتداركها والتنبه المسبق لها يمكنك جبرها وتشييد أسوار حماية، وتجهيز الخطط لسيناريوهات محتملة الحدوث والاستعداد لها استقاءً من نقاط قوتك. من خلال أسئلة يمكن تحديد نقاط الضعف بدقة:
- ما الشكاوى المتكررة من العملاء؟
- ما المجالات التي يتفوق بها المنافسون علينا؟
- ما العمليات التشغيلية التي تستهلك وقتًا أطول من المفترض لها؟
- ما الموارد التي يعتريها النقص وهل نعتمد بشكل مفرط على مصدر إمداد واحد؟
من أين تبدأ تحديد نقاط القوة والضعف؟
لا يتوقف الأمر على طرح الأسئلة! فإجاباتها يجب أن تُصاغ بعد دراسة وتحليل عميق. ولكن ما الاتجاهات التي يمكن أن تنقّب عن الإجابات فيها؟
- تحليل سلوك العملاء
يخبرك سلوك عملائك بالكثير عمّا يجب تحسينه وما يجب الاستثمار فيه. ففهم عادات الشراء وأنماطها لدى عملائك يؤثر بشكل مباشر في أرباحك ويمنحك تفسيرات متعلقة بأسباب الركود، فتبدأ باتخاذ خطوات لجذب المزيد من العملاء وكسب ولائهم لمنتجاتك وخدماتك.
- راقب اتجاهات القطاع دائمًا
بعض نقاط الضعف ونقاط القوة تكون نسبية إلى اتجاهات القطاع الذي تعمل فيه. كما أن معرفة كل جديد وما يحدث أمر بالغ الأهمية في تحديد موطئ قدمك في خطواتك القادمة.
- لا تتخلى عن صندوق الاقتراحات
إن فتح باب لتلقي الملاحظات هو مصدر مباشر لتحديد نقاط القوة والضعف سواء كان من قبل العملاء أو الموظفين وأحيانًا الموردين. يدخل في ذلك استطلاعات رضا العملاء واقتراحات الموظفين للتحسين.
- تحليل البيانات الخاصة بالمبيعات
يجب أن تحدد مقاييس دقيقة لفهم اتجاهات المبيعات الخاصة بك. هل هناك منتجات لا تُباع؟ ولماذا لا تُباع؟ هل بسبب عدم التسويق لها بشكل جيد أم أنها ليست ضمن مجال اهتمام العملاء؟ فالاستثمار في منتجات لا تلفت العملاء أساسًا هو هدر في الموارد.
يعد الاتجاه نحو التكنولوجيا والتحول الرقمي وتفعيل دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف هو المنحى الأكثر سلوكًا من قبل المؤسسات، فهو ثورة العصر وثوبها الجديد.
آلية دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف
للتعلم الآلي طريقة ممنهجة ومنظمة للتعامل مع أي بيانات يستقبلها وتطبيق الخوارزميات المناسبة لكل نوع، وهذه المنهجية تصل لنتائج عدة من أهمها أنها ستبرز لك نقاط القوة ونقاط الضعف.
أولًا: جمع البيانات ومعالجتها
- يبدأ دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف باستقباله البيانات المتعلقة بالأداء الفردي والأداء المؤسسي على حسب الصعيد الذي تريد الكشف عن نقاط قوته وضعفه.
- قد تشمل تلك البيانات تقييمات الموظفين، مؤشرات الأداء، وتحقيق الأهداف والمهام. ومن الجانب المؤسسي قد تكون البيانات متعلقة ببيانات السوق أو تقارير خاصة بالعملاء.
- يبدأ النظام بتنظيف تلك البيانات من التكرار والأخطاء وتحويلها إلى مادة رقمية تتناسب مع طريقة عمله.
- تعد هذه المرحلة حساسة لأنها أساس لدقة وجودة النتائج ولها عامل أكبر في الحد من الانحرافات.
ثانيًا: تطبيق خوارزميات التعلم الآلي
اختيار الخوارزمية المناسبة يتوقف على نوع البيانات والهدف الذي تريده.
- التعلم الخاضع للإشراف (Supervised Learning) يصنف لك مؤشرات الأداء إلى نقاط قوة ونقاط ضعف بناءً على بيانات تاريخية للأداء مزودة بالمقاييس المطلوب الوصول لها والتي يُعطى التقييم بناءً عليها.
- أما التعلم غير الخاضع للإشراف (Unsupervised Learning) فسيعمل على كشف الأنماط الخفية والتجميعات في البيانات التي لم تكن واضحة.
- دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف من خلال خوارزميات التعليم المعزز (Reinforcement Learning) يمكن أن يتمثل في قدرته على محاكاة تجارب عدة ويقدم لك التجربة التي تُعَد أكثر تعزيزًا للأداء.
ثالثًا: تحديد وكشف نقاط القوة والضعف
- أساس دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف هو تطبيق الخوارزميات وبناء النماذج الذكية التي تبرز النقاط التي تحقق نتائج إيجابية بشكل متكرر مثل ارتفاع رضا العملاء، ويُعتبر ذلك من نقاط القوة التي يمكن الاستثمار فيها.
- أما عن رصد جوانب القصور المتكررة فيمكن تصنيفها تحت بند نقاط الضعف وتُتخذ على إثرها الإجراءات التصحيحية المناسبة.
تطبيقات التعلم الآلي لتحديد نقاط القوة والضعف
إن دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف يصبح فعالًا، ومتصفًا بكونه رؤية شاملة؛ إذا حَسُن توظيفه توظيفًا صحيحًا وتزويده بالبيانات ذات الجودة العالية، فَتَنْفتح الآفاق لرؤية أوضح، ويُكشف عن نقاط التميز ونقاط القصور.
أولًا: دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف من خلال تقييم أداء الموظفين
من خلال تحليل البيانات المتعلقة بالموظفين مثل معدلات إنجاز المهام والحضور وغيرها، يحدد النظام المؤهلين للمهام القيادية ويكشف عن ماهية التقصير الصادر من المورد البشري.
اقرأ أيضًا: 8 تحديات تواجه أتمتة تقييم أداء الموظفين بالذكاء الاصطناعي
ثانيًا: تحليل سلوك العملاء
دراسة أنماط الشراء ومدى التفاعل مع الحملات التسويقية أحد تمثُلات دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف. تحليل سلوك العملاء يعكس لك المنتجات والخدمات التي تشكل مرتكزًا قويًا للمؤسسة، ويُبيّن ما يجب ألّا تُهدر فيه الطاقات التسويقية لعدم استجلابه اهتمام العملاء.
ثالثًا: تحسين العمليات الداخلية
يُصنّف لك هذا النموذج الذكي العمليات التي تُؤدى بكفاءة عالية، والعمليات التي تستَوجب القيام ببعض التحسينات لأنها تهدر الموارد نتيجة انحراف ما. هنا يأتي دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف؛ ليكشف لك الخلل من خلال مراقبة سلسلة التوريد والإنتاج ورصد أنماط خفية قد تكون مواطن ذلك الخلل. فيتميز بعمق تحليلاته ونأيه عن النتائج السطحية.
رابعًا: التنبؤ المالي وتحليل المخاطر
من خلال تحليل البيانات المالية الصحيحة يمكنه الكشف عن تقلبات السوق، مما يرفع الستار عن الاستثمارات التي يجب أن تتوجه إليها، وتتبنى استراتيجيات جديدة تبعًا للوضع القائم أو المتنبأ به. كما يمكن لهذا التنبؤ الكشف عن المخاطر المحتملة. ولا يتوقف الأمر على كشف المخاطر مستعصية الحل، فقد تكون المخاطر كبيرة ولكن تفاديها يكون بحل بسيط، وهو ما نُسميه السهل الممتنع.
اقرأ أيضًا: نماذج تنبؤية لإدارة المخاطر باستخدام التعلم الآلي
خامسًا: إدارة تجربة العملاء
يستقبل النظام مراجعات العملاء وشكاويهم ويأخذها على محمل الجد ويحللها، ليستخلص منها بعض نقاط القوة مثل جودة منتج معين أثار إعجاب العملاء، ونقاط الضعف مثل المشكلات التقنية المرتبطة بالدعم الفني نتيجة لشكاوى العملاء من الصعوبات التي يواجهونها أثناء التواصل.
الخاتمة
دور التعلم الآلي في تحديد نقاط القوة والضعف بوصلة عصرية وخريطة ذكية تُرشد المستخدم لما يرنو له من أهداف، وبقدر اهتمامك بتزويدها بالبيانات الصحيحة بقدر ما ستحصل عليه من نتائج ومسارات صحيحة. فبخوارزميات التعلم الآلي تنقشع السحابة عن النجاحات وتتراءى لك طرق تعزيزها. كما تسلط الضوء على الثغرات التي تحتاج إلى إصلاح أو دعم، فتخلق بيئة متوازنة بين الرؤية النقدية والرؤى التعزيزية. ومع التطور المستمر في الذكاء الاصطناعي فإن قيمة هذا الدور ستبرز أكثر، ولقد بدأت المؤسسات بالتهافت على تبنيه طلبًا للميزات النابعة عنه.
🔶 شاهد أيضاً: سيكولوجية قيادة الشركات لزيادة الارباح وادارة الخسارة- محمد زين رئيس مجلس إدارة شركة الأمل الشريف




