لإدراك دور التكنولوجيا في الإدارة، فلنستدرك هذا المعنى: “من عرف زمانه استقامت طريقته”. هذه الجملة هي خلاصة الخلاصات، كلمات معدودة في ثناياها قاعدة إرشادية لمن أراد التميز متحليًا بروح عصره. فكما كان القرن التاسع عشر قرن الثورة الصناعية، وكان على أثره بداية استخدام الكهرباء وانتشارها في الأقطار الصناعية، طلّت علينا التكنولوجيا كسِمة عصرية للقرن المنصرم. تطورت بشكل هائل في قرننا الحالي، وتوسع المصطلح ليشمل في جعبته الكثير من المعاني التي سنتطرق لعرضها. ولكن السؤال الأهم لنا: ما دورها، وما مدى فاعليتها في النظام الإداري؟
دور التكنولوجيا في الإدارة في ظل تطور الآلة
لو سألت حقبة ثمانينيات القرن الماضي عن المعنى الذهني لدور التكنولوجيا في الإدارة فستبادر بذكر الحواسيب، والآلات الصناعية. أما الآن فالتقدم التكنولوجي يعني بشكل أساسي التقدم الرقمي، الذكاء الاصطناعي (AI) ، والحوسبة السحابية (Cloud Computing) . لقد مر النظام الإداري بمراحل عدة، وهو من أهم الأنظمة التي تحتاج إلى تحديث مستمر تناسبًا مع أدوات العصر. فالنظام الإداري يتنافى مع الجمود أو الإغفال عما يدور في الخارج، فيظل كل شيء تحت سيطرته، متحكمًا ومتفاعلًا مع جميع الشبكات المختلفة في المؤسسة.
مرحلة الحوسبة الآلية (Automation Stage)
- انتشار الحواسيب المكتبية، وظهور نواة برامج قواعد البيانات، والأرشفة الإلكترونية البسيطة.
- تمثل دور التكنولوجيا في الإدارة في تسهيل عملية حفظ وتخزين البيانات، أتمتة بعض العمليات مثل برامج المحاسبة (Accounting Software) .
- بداية استخدام البريد الإلكتروني (Email) بشكل محدود كوسيلة مراسلة رسمية.
مرحلة الإدارة الإلكترونية (E-Management Stage)
- بداية القرن الحالي شهدت استخدام الإنترنت كأداة لربط الإدارات المختلفة عبر الشبكات الداخلية (Intranet Networks) في المؤسسة.
- ظهور أنظمة إدارة موارد المؤسسة (Enterprise Resource Planning – ERP) ، مما كان له تأثير إيجابي على زيادة لشفافية، وسرعة الإنجاز.
- نشأة الحوسبة السحابية (Cloud Computing) التي تقدم الخدمات والموارد وتسمح بتعديلها عبر الإنترنت من أي مكان وفي أي وقت.
مرحلة الإدارة الذكية (Smart Management Stage)
- تتمثل في آخر 15 سنة، التي كانت شاهدة على القفزة الإلكترونية ودور التكنولوجيا في الإدارة.
- الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI) : ساهم في التحليل الفوري والدقيق للبيانات الضخمة (Big Data Analytics) واعتماد اتخاذ القرارات على هذه الخاصية.
- إنترنت الأشياء (Internet of Things – IoT) : يتيح لك مزيدًا من التحكم والمتابعة لكل الموارد داخل مؤسستك، فتتلقى تنبيهًا أو استجابة تلقائية من الأشياء من حولك.
- بوتات الدردشة (Chatbots) : لتواصل فعال مع العملاء وخدمة أسرع.
- البلوك تشين (Blockchain) : نظام لحفظ البيانات والمعاملات بشكل مشفر وآمن وغير قابل للتلاعب.
كيف تدعم التكنولوجيا الوظائف الأساسية للإدارة؟
كان أهم دور التكنولوجيا في الإدارة أن أعادت تعريف الإدارة، فأصبح مكنون كل وظيفة من وظائفها مصبوغًا بصبغة الدقة والجودة والأداء العالي. وكما هو معلوم، فإن الوظائف الأساسية لأي منصب إداري تتمثل في التخطيط والتنظيم بجانب التوجيه والرقابة. وقد ازدادت فاعلية تلك المهام بدخول التكنولوجيا وأدواتها الرقمية، فكان لكل منها نصيب من التطور ورسم منظومة جديدة في ظل التقنيات الذكية المستخدمة في النظام الإداري.
1- التخطيط الذكي
إليك المساعدين الأذكياء مثل Asana وMicrosoft Project، هذه البرامج تساعدك بشكل غير مسبوق في وضع جداول زمنية دقيقة، وتوزيع المهام، وتحديد أولويات المرحلة. في خضم هذا كله، فإنها تضع عينًا على الواقع الحالي وعينًا على المستقبل، فتسهل عملية اتخاذ القرارات وقت التخطيط، لكونها ترتكز على دراسة البيانات والتنبؤ العملي للمستقبل من خلالها.
2- التنظيم الفعّال
ما يضفي على عملية التنظيم فعاليتها وأهميتها هو المواءمة بين البيانات من مصادرها المختلفة والوصول إليها بطريقة أكثر انسيابية؛ وذلك يعتمد على مدى التنسيق بين الأقسام المختلفة. أنظمة مثل ERP – Enterprise Resource Planning تتيح تدفق البيانات بسهولة بين الأقسام، مما يعزز التنسيق الداخلي ويقلل الأخطاء الناتجة عن نقص البيانات أو المعالجات اليدوية. ومن خلال هذه الأنظمة الذكية، تتمكن المؤسسة من إدارة الموارد البشرية والمالية وغيرها عبر منصة واحدة.
3- التوجيه اللحظي
التواصل هو أساس أي عملية توجيه. وتوفر أدوات تدعم الاتصال بين القادة والفرق، مما يسهل التوجيه ومتابعة سير المهام لحظة بلحظة. فلا حاجة للتواجد المباشر، بل من خلال منصات مثل Zoom وSlack تتمكن الإدارة من التوجيه والمتابعة عن بعد.
4- الرقابة المبكرة
لم تعد الرقابة عملية متأخرة، ولم تعد مؤشرات الأداء مرتبطة بانتهاء المهام. بفضل دور التكنولوجيا في الإدارة، أصبحت الرقابة والتقييم والتدخل عمليات لحظية.
- منصات مثل Tableau تتيح لوحات تفاعلية يتابع فيها المديرون مؤشرات الأداء في الوقت الفعلي.
- أنظمة Internet of Things – IoT تساهم في مراقبة العمليات التشغيلية بدقة، مما ينعكس إيجابًا على تقليل نسبة الخطأ ورفع جودة الإنتاج.
اقرأ أيضًا: 5 حالات ناجحة لتطبيق RPA في أتمتة العمليات الإدارية
التكنولوجيا والقيادة الإدارية
تحافظ التكنولوجيا على جوهر الأشياء، وأثرها يمكن لمسه من خلال تطوير الشيء والعمل على إخراجه في أكمل صورة؛ لضمان أفضل النتائج والمخرجات. لاشك أن القيادة هي مرساة رئيسة في الإدارة، والآن هناك تكامل وثيق بين التكنولوجيا وتطوير المهارات القيادية. فلا بد من العمل على وضع خطط عملية لتعزيز القيادة باستخدام تقنيات حديثة وتطبيقات تكنولوجية.
منصات التعلم الإلكتروني
تتيح المنصات التعليمية مزايا أكثر من نظيرتها التقليدية التي تعتمد على الحضور الجسدي والوقت المحدد. فأينما كنت يمكنك أخذ الدورة التدريبية التي تريدها، وتتيح لك بعضها فرص الحضور والمشاهدة في الوقت المناسب لك، فتصبح بذلك أكثر مرونة من الدورات التدريبية التقليدية.
الواقع الافتراضي
يساهم الواقع الافتراضي في مجال القيادة عن طريق إتاحة خوض تجربة قيادية أشبه بالواقعية وذات فاعلية عالية، مما يساعد على تطوير المهارات من خلال الممارسة العملية التي لا تقل أهمية عن المعرفة النظرية.
أدوات التدريب المدعومة بالذكاء الاصطناعي
يتوسع دور التكنولوجيا في الإدارة من خلال مرونتها التي تتيح لك تنفيذ برنامجك الخاص لتطوير القيادة. فمن خلال معالجة البيانات الخاصة بالأفراد وتقييمها من الجانب القيادي، يقترح الذكاء الاصطناعي خططًا تدريبية أو المادة الأساسية المطلوبة لبناء البرامج التدريبية.
التكنولوجيا وإدارة الموارد البشرية
يشير مصطلح “تكنولوجيا الموارد البشرية” إلى البرامج والأدوات والمنصات المصممة لِتُعين المؤسسة على تحسين أداء الوظائف المنوطة بها إدارة الموارد البشرية، من أتمتة العمليات المختلفة وتحسين عمليات اتخاذ القرار.
عملية التوظيف والمفاضلة بين المرشحين
بعد تواجد منصات التوظيف أزاحت تلك المنصات عبئًا كبيرًا في عملية التوظيف وتولت المهمة الأكثر روتينية وصعوبة. فمن خلالها يمكن نشر إعلان الوظيفة على نطاقات واسعة بطريقة ذكية تستقطب الكفاءات المطلوبة، كما أنها تعمل على جدولة المقابلات وفرز المتقدمين على حسب ما تحدده الإدارة؛ مما يساعدك على الوصول إلى عدد أقل يشمل المرشحين الأكثر كفاءة. هذه العملية فعالة فيما يتعلق بدور التكنولوجيا في الإدارة؛ إذ تقلل الجهد اليدوي الذي كان يبذل من قبل، وتعزز عملية اتخاذ قرارات التوظيف بسرعة.
الرواتب والحوافز
مع دور التكنولوجيا في الإدارة في أتمتة الحسابات المتعلقة بصرف الرواتب والمستحقات ستضمن لك صرف الرواتب في مواعيدها وتقليل الأخطاء المرتكبة في هذا الجانب. هذه الأعباء الإدارية التي تحرر التكنولوجيا منها الإدارة ستساعد الإدارة على التركيز على المهام الاستراتيجية، دون التشتت الذي قد يصاحب تلك العمليات الروتينية.
مشاركة الموظفين
تفسح منصات خاصة بالموظفين المجال لإشراكهم بجمع ملاحظاتهم واستطلاع آرائهم، فدور التكنولوجيا في الإدارة هو ضمان تواصلًا فعالًا وشفافًا بين الموظفين والإدارة. بهذه الطريقة يمكن تحديد المشاكل التي تواجه الموظفين مبكرًا، وتنفيذ المبادرات المقدمة منهم، مما يعمل على زيادة الرضا الوظيفي وتحسين تجربة الموظف.
دور التكنولوجيا في الإدارة الخاصة بالأزمات
ذَكَر الصليب الأحمر في أحد تقاريره عن الكوارث العالمية أن التكنولوجيا أتاحت لهم الوصول لبعض المعلومات عند وقوع الكوارث بنفس أهمية الغذاء والماء. وبفضل دور التكنولوجيا في الإدارة يمكن لأصحاب إدارات الأحداث الحرجة التحكم في زمام الكارثة وتحويل مسارها بعيدًا عن الأضرار المباشرة للمؤسسة.
تقنية الإخطار الجماعي
تواجه إدارة الأزمات مشاكل متعلقة بعدم تواجد الأفراد الرئيسين المطلوبين على رأس الأزمة. تضمن تقنية التواصل في حال الأزمات تدفقًا للمعلومات حتى من الأماكن التي كان من المفترض أن تُزوَّد بالمعلومات الخاصة بها من جهة الأفراد. فيمكنك الآن الحصول على المعلومات المهمة دون التواجد الفعلي في المكان. فيعمل الجميع بناءً على نفس الحقائق الموحدة والمعلومات أحادية المصدر غير المتضاربة مما يخفف الضغط على منظومة التفكير العقلاني.
خطط الاتصال الفعالة
لا يقتصر دور التكنولوجيا في الإدارة على الإخطار فقط بل يشمل تأسيسًا استباقيًا لشجرة الإخطارات وتحديد الأدوار بناءً على خطط موضوعة. مما يحسن من كفاءة وسرعة الاستجابة وأخذ ردة الفعل المناسبة والتي غالبًا ما تكون مدروسة بإتقان.
التحول الرقمي
أَخَذَ التحول الرقمي الاستجابة للأزمات إلى منطقة الإجراءات الاستباقية وابتعد بها عن ردود الفعل. بمعنى أوضح أصبحت الاستجابة للأزمات تبدأ قبل وقوع الاضطرابات، والحد من وقوع عواقب وخيمة والخروج بأقل ضرر. كما يتعدى دور التكنولوجيا في الإدارة إلى دراسة الأزمة بعد انتهائها والاحتفاظ بالسيناريوهات الخاصة بالأزمة واستخدامها في التدريبات والاجتماعات ما بعد الأزمة فيضمن التحسين والتطوير وتجنب الوقوع في نفس الثغرة.
اقرأ أيضًا: تعرّف على أشهر أوجه الخلاف الـ 6 في مقارنة بين إدارة الأزمات التقليدية والذكية
هل هناك تحديات تجاه الاستخدام الإداري للتكنولوجيا؟
رغم دور التكنولوجيا في الإدارة وثمرتها المميزة إلا أن لها تحدياتها الخاصة، وكل جديد له ثمنه. هذه التحديات يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ومواجهتها تكون بحل الإشكاليات المتعلقة بتبني هذا النظام. من أهم التحديات التي يمكن أن تقابلك ما يلي:
سرعة التغير التكنولوجي
وكما هو معروف أن عصرنا هو عصر السرعة، فإن التغيرات التكنولوجية السريعة تمثل أحد أهم التحديات. إذ يتعين على المؤسسة التكيف باستمرار والحفاظ على ميزتها التنافسية. كما تتطلب اليقظة تجاه التقنيات العابرة والاتجاهات التي لا تدوم طويلًا، وهذا قد يشكل إرهاقًا على المؤسسات.
تهديدات الأمن السيبراني
كلما اعتمدت المؤسسة على البنية الرقمية، كلما شكل الأمن السيبراني تحديًا متزايدًا، فتكون البيانات معرضة للاختراقات والهجمات الإلكترونية. لذا تصبح حماية المعلومات أولوية الأولويات، وذلك من خلال إعداد نظام أمني متعدد الطبقات، يبدأ من التشفير مرورًا بأمن الشبكات ووصولًا إلى ضوابط التحكم في الوصول.
مشكلات التكامل
قد تواجه المؤسسات مشكلات متعلقة بدمج التقنيات الحديثة مع الأنظمة القديمة، وتطويع تلك الأنظمة للتكامل معها قد يسبب اختناقات تشغيلية تتمثل في صعوبة توافق الأنظمة وترحيل البيانات، مما قد يؤدي إلى اضطراب العمليات. تحقيق هذا التوافق يحتاج إلى تخطيط استراتيجي عميق.
الامتثال للوائح التنظيمية
لوائح مثل (GDPR) الأوروبية و (CCPA) الأمريكية تفرض متطلبات صارمة على عمليات جمع البيانات واستخدامها. ويلزم المؤسسات الالتزام بها، والتحدي يكمن في تعدد القوانين المتعلقة بحماية البيانات، مما يتطلب تغييرات جوهرية في العمليات المتبعة وتبني تقنيات خاصة لحماية الخصوصية. وهذا يفضي في النهاية إلى وجوب التعاون مع فرق قانونية متخصصة في هذا المجال.
الخاتمة
يبقى دور التكنولوجيا في الإدارة دورًا هامًا، فترتقي لتصبح رفيقًا لا غنى عنه في مسيرة التطوير ومنصة للانطلاق نحو التميز. وكل حقبة كانت لها ميزتها الخاصة ونصيبها من التطور التكنولوجي، حتى وصلنا إلى ما يشهده التاريخ من تطور غير مسبوق، لا يخلو من تحديات تستوجب عملًا دؤوبًا وأفرادًا يقظين تجاه ما قد تؤول إليه الأمور وتسخير التكنولوجيا بالصورة الصحيحة لتحقيق أقصى استفادة. فالمؤسسة الذكية هي التي تحسن الموازنة بين الاستفادة من مكاسب التكنولوجيا وتحصين نفسها ضد مخاطرها.
🔶شاهد أيضاً: ما لم تعرفه عن الذهب من التجارة إلى الإستثمار مع فادي كامل CO-Founder & CEO of Dahab Masr




